جان لوئيس بوركهارت
30
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
فدية تجاوزت مائة ألف ريال أسبانى ، ثم أعدموا الأغا قبل مغادرتهم المدينة ، بعد أن أتى جندهم على ما وقع تحت أيديهم من زاد . فلا عجب أن اجتاحت الإقليم في أعقاب هذا النهب والسلب المجاعة المروعة التي ذكرتها آنفا . وأهل إبريم لا يفتأون في حرب مع أمراء النوبة ، وهم على قلة عددهم أكفاء لخصومهم لأنهم جميعا يقتنون الأسلحة النارية . وهم بيض اللون إذا قيسوا بالنوبيين ، ما زالوا يحتفظون بملامح أجدادهم البشناق الذين بعثهم سليم الفاتح ليحتلوا إبريم . ولباسهم الجلباب من الكتان الخشن ، وأغلبهم يغطى رأسه بما يشبه العمامة . وهم يقولون « نحن ترك لا نوبيون » . ولما كانوا لا يدينون للأغا بالخضوع المطلق ، وليس لأحد سلطان عليهم ، فقد كثر بينهم التشاحن والتناحر . ولهم قاض بلى وظيفته بالوراثة . ويثأرون من القاتل بقتله ، وإذا أدى العدوان إلى الموت فلا سبيل إلى قبول دية الدم ، أما إذا أدى إلى الإصابة بجراح فهناك غرامات مقررة على كل إصابة تتفاوت بتفاوت الأعضاء المصابة . ومثل هذا القانون منتشر بين بدو الشام . وإذا تزوج تركى من أتراك إبريم أهدى عروسه ثوب العرس وسندا بثلاثمائة قرش أو أربعمائة يؤدى لها نصفها إذا طلقها . على أن حوادث الطلاق بينهم نادرة جدا . وفي العرس ينحر العريس بقرة أو عجلا ، فإذا نحر كبشا كان ذلك فضيحة الفضائح . ولست أذكر في كل ما طفت به من بلاد الشرق بلدا كإبريم يطمئن فيه الناس على ما لهم ويأمنون عليه من السرقة . فالأهالى يتركون الذرة ليلا في الحقول أكواما بلا حارس ، وماشيتهم ترعى الكلأ على ضفة النهر دون راع يرعاها ، وخير أثاث البيت يبيت الليل كله تحت النخل المحيط بالمنزل . وقد أجمع أهل الإقليم على القول بأن السرقة رذيلة لا يعرفها إقليمهم . ويجدر بي أن أضيف أن النوبيين في جملتهم لم تلوثهم هذه الرذيلة . وعبرنا الجبل من إبريم ، وبعد مسيرة ساعة هبطنا ضفة النهر عند وادى الشباك ، وهي القرية التي لجأ إليها أكثر أهل إبريم بعد أن اجتاح المماليك واديهم .